المبشر بن فاتك
382
مختار الحكم ومحاسن الكلم
لم يكن فيه عقل ينكر الجميل وينقبض عن العدل والإحسان ، ويتباهى في الصلف والعجب ، ويركب قبائح الأمور . فإذا عاد إلى الفاقة وصحا من السّكر علم أنه كان زائلا عن الاعتدال ، وخارجا عن الحق والإنصاف ، ويتبين له ما كان عليه من حال السكر . وقال : من نظر ببصر نافذ وقلب ذكىّ قصّر عن الشهوات وفاز . وقال : سبيل الملك العاقل الحازم أن لا يغتر باستقامة الأمور له وتأتيها على يديه وقلة الخوارج عليه - فيصرف همته عن أجناده وقواده وأعوانه ويمنعهم أرزاقهم لقلة حاجته إليهم ويسئ السياسة ويبذل الجور في رعيته ثقة منه بما هو عليه من السلامة ، فلا يأمن ما يبغته من الحوادث فيخذلوه ويصولوا عليه . ومع ذلك إنه متى سلك ذلك قصرت مدته واندرست مملكته . وقيل للنطاقيوس « 1 » : ما الذي كثر شانئيك ؟ فقال : ترك الأنس بمودتهم . قيل له : فما الذي أوحشك من الناس ؟ قال : ذلك بعد اختبارهم . وقيل لخروسيس : ما أصبرك على عيب الناس إياك ؟ فقال : لأنا استوينا في العيوب ، فأنا عندهم كهم عندي ! وقال ذيمقراطيس « 2 » : يجب أن نقتنى رجالا أخيارا ؛ فأما الأصدقاء فيجب أن نجيد [ 124 ا ] الاحتفاظ بهم ؛ وأما الأعداء فينبغي أن ننقلهم إلى المحبة . وقال افليمون « 3 » لمصوّر يصوّر حماما : جوّد صورتك ، فإن تصوير الحمامات جعل للعامة حتى إذا خرجوا اشتغلوا بتأمل حسن الصور ، فلم يستعجلوا بالخروج إذا لبسوا ثيابهم لأنه إذا كان شتاء لحقهم الهواء البارد ، وإن كان صيفا لحقهم الهواء الحار .
--> ( 1 ) أو لعله : بيطاقيوس Pittacus - وفي ب : النطاقنرس . ( 2 ) ل : ذيمقروطيس . ( 3 ) ل : اقليمون .